فهم مفارقة العوائد: لماذا ارتفعت عوائد السندات رغم خفض الفيدرالي للفائدة
مع اقتراب عام 2025 من نهايته، قد تكون إحدى أبرز قصص الأسواق المالية هي الانهيار الكامل للعلاقة التقليدية بين سياسة الاحتياطي الفيدرالي وعوائد سندات الخزانة الأميركية. فقد بدأ الفيدرالي خفض أسعار الفائدة في سبتمبر 2024، واستمرت دورة التيسير طوال عام 2025. ورغم أن الأداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية، إلا أن العوائد تاريخياً كانت تتحرك في الاتجاه نفسه نزولاً. لكن هذه المرة، لم يحدث ذلك.
بدأ عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند مستوى 3.63% خلال دورة التيسير، قبل أن يرتفع إلى 4.15% في أواخر عام 2025، في الوقت الذي باشر فيه الفيدرالي سياسته التيسيرية. وقد شكّل هذا النمط كسراً لسابقة تاريخية امتدت لأربعة عقود. وكانت أبحاث بنك جي بي مورغان قد أشارت إلى هذه الظاهرة في أوائل عام 2025، موضحةً أنه في دورات خفض الفائدة السبع السابقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، كان عائد السندات لأجل 10 سنوات أقل في جميع الحالات بنسبة 100% بعد مرور 100 يوم على أول خفض للفائدة.
وبالعودة إلى ديسمبر 2025، أصبح من المؤكد أن هذه الدورة هي أول دورة “متمردة” خلال 40 عاماً.

الملخص السريع
تباعد تاريخي: ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بأكثر من 100 نقطة أساس منذ أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة في سبتمبر 2024.
كسر نمط استمر 40 عاماً: في الدورات السبع السابقة لخفض الفائدة منذ الثمانينيات، انخفضت العوائد بنسبة 100% خلال 100 يوم من أول خفض.
العوامل الرئيسية: تجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي التوقعات، وبقي التضخم أعلى من المستهدف، مع وجود خلافات بين أعضاء الاحتياطي الفيدرالي حول مسار السياسة النقدية.
تداعيات على المحافظ الاستثمارية: الارتباط الإيجابي بين الأسهم والسندات قد يقلل من فوائد التنويع التقليدية لمتداولي الأصول المتعددة.
ما الذي يقود هذه الحركة غير المعتادة؟
قد تفسّر عدة عوامل سبب تباعد العوائد عن سياسة الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية.
قوة الاقتصاد (المرونة الاقتصادية): أظهر الاقتصاد الأميركي أداءً أقوى من المتوقع، إذ بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2025 نسبة 4.3%، متجاوزاً التوقعات البالغة 3.3%. وتشير البيانات الاقتصادية القوية إلى أن الاقتصاد قد لا يحتاج إلى إجراءات نقدية تيسيرية قوية، ما دفع أسواق السندات إلى خفض توقعاتها بشأن تخفيضات مستقبلية في أسعار الفائدة. وتشير التوقعات المتوسطة لصنّاع السياسة في الفيدرالي الآن إلى خفض واحد فقط للفائدة في عام 2026.
استمرار التضخم: أسفرت محاولات خفض التضخم عن نتائج متباينة في كل مرحلة. يستخدم الاحتياطي الفيدرالي مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية كمقياس رئيسي، وقد أظهر تضخماً عند 2.8% في سبتمبر 2025، متجاوزاً الهدف البالغ 2%. كما يشير فارق التعادل في سندات TIPS (السندات المحمية من التضخم) إلى أن المشاركين في السوق يتوقعون بقاء التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي في هذه الفترة. (مصدر: CNBC)
عدم اليقين في السياسة النقدية: في اجتماع ديسمبر 2025، سجّل أعضاء الاحتياطي الفيدرالي أكبر مستوى من الانقسام منذ سبتمبر 2019، حيث اختلفوا حول وتيرة خفض أسعار الفائدة نتيجة تباين قراءاتهم للبيانات الاقتصادية.
الآليات الكامنة وراء هذا التباعد
لفهم سبب تحرك العوائد بعكس سياسة الاحتياطي الفيدرالي، من المفيد تفكيك العائد الاسمي الكلي إلى ركائزه الثلاث الأساسية. فبينما يتحكم سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية في الجزء القصير من منحنى العائد، يعتمد عائد السندات لأجل 10 سنوات على توقعات المستثمرين لظروف السوق المستقبلية.
ارتفاع توقعات التضخم: ارتفع معدل التعادل للتضخم في سندات TIPS لأجل 10 سنوات—وهو ما يعكس توقعات السوق للتضخم المستقبلي—من 2.03% في سبتمبر 2024 إلى 2.40% مع بداية عام 2025. وتشير هذه الزيادة البالغة 37 نقطة أساس إلى أن ضغوط الأسعار ستستمر رغم خفض الفيدرالي لأسعار الفائدة.
ارتفاع العوائد الحقيقية: يبلغ العائد الحقيقي لسندات TIPS لأجل 10 سنوات (العائد بعد احتساب التضخم) نحو 2.15%، وهو أعلى بكثير من متوسطه منذ عام 1998 البالغ 1.33%. وتُظهر هذه البيانات أن تكاليف الاقتراض الفعلية لا تزال مرتفعة، ما يقلل الحاجة إلى مزيد من تشديد السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
عودة علاوة الأجل: لسنوات طويلة، كانت “ضريبة الأمان” التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل قريبة من الصفر. أما الآن، فقد أصبحت إيجابية. إذ يطالب المتداولون بعوائد أعلى للتعويض عن عدم اليقين بشأن مسار سياسة الفيدرالي في عام 2026، إضافة إلى الحجم الكبير من إصدارات سندات الخزانة الجديدة.
ماذا قال مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي؟
بعد خفض أسعار الفائدة في ديسمبر 2025، قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول: "أعتقد أننا في وضع جيد يسمح لنا بالانتظار ومراقبة كيفية تطور الاقتصاد." وفي ما يتعلق بارتفاع العوائد طويلة الأجل، صرّح باول قائلاً: "عندما تتحرك السندات طويلة الأجل، يجب النظر إلى أسباب هذا التحرك… تعويضات التضخم (معدلات التعادل)… فهي عند مستويات مريحة جداً… ومتوافقة مع تضخم يبلغ 2% على المدى الطويل."
تدعم رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، سياسة نقدية متحفظة، وهو ما يتضح من تصويتها ضد خفض أسعار الفائدة، إذ ترى أن أسعار الفائدة ينبغي أن تبقى عند مستوياتها الحالية لعدة أشهر. كما تؤكد أن مشكلات التضخم يجب أن تحظى باهتمام أكبر من أوضاع سوق العمل الحالية.
قدّم مدير المجلس الاقتصادي الوطني، كيفن هاسيت (أحد أبرز المرشحين لخلافة باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي)، رؤية مغايرة، حيث قال لشبكة CNBC إن الاحتياطي الفيدرالي لا يزال «متأخراً كثيراً عن المنحنى» في خفض أسعار الفائدة مقارنة بالبنوك المركزية في دول أخرى.
وتشير الأصوات الثلاثة المعارضة في اجتماع ديسمبر 2025 إلى أن صانعي السياسة ما زالوا غير متأكدين من المسار الذي ستتخذه أسعار الفائدة خلال عام 2026.
التداعيات الاستراتيجية: تغيّر ديناميكيات التحوط في سوق السندات
يعمل سوق السندات اليوم وفق أساليب مختلفة لإدارة المخاطر، إذ لم تعد العوائد تتبع أنماطها السابقة. فقد اعتاد الاحتياطي الفيدرالي استخدام خفض أسعار الفائدة لتحقيق الاستقرار في استثمارات السندات، التي كانت ترتفع قيمتها عندما تشهد أسواق الأسهم تقلبات.
لكن هذه العلاقة انعكست الآن: إذ أصبحت فئات الأصول مترابطة إيجابياً. فقد تحركت أسواق الأسهم والسندات معاً نحو الارتفاع، مدفوعة بنمو اقتصادي قوي واستمرار معدلات التضخم. وعلى متداولي الأصول المتعددة إدراك أن الجزء “الوقائي” من استراتيجياتهم الاستثمارية قد يتسبب في خسائر إضافية عند تراجع الأسواق.
الخاتمة
ابتعدت بيئة العوائد الحالية عن السلوك التقليدي للأسواق الذي ساد لعقود طويلة. وما إذا كان هذا التحول يعكس قوة اقتصادية مستدامة أم تزايد الشكوك حول فعالية السياسة النقدية، فهو أمر لم يتضح بعد. إن فهم هذه الديناميكيات قد يساعد المتداولين على تقييم كيفية تفاعل الأدوات المالية المختلفة مع بعضها البعض.
*الأداء السابق لا يعكس بالضرورة النتائج المستقبلية. ما ورد أعلاه لأغراض تسويقية ومعلومات عامة فقط، وهو مجرد توقعات ولا ينبغي اعتباره بحثاً استثمارياً أو نصيحة استثمارية أو توصية شخصية.
الأسئلة الشائعة
لماذا ارتفعت عوائد سندات الخزانة رغم قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة؟
لأن الاقتصاد حقق أداءً أفضل من المتوقع في الربع الثالث من 2025 مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.3%، في حين ظل التضخم أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، ما دفع العوائد طويلة الأجل إلى الارتفاع.
هل يُعد هذا السلوك في العوائد أمراً غير معتاد تاريخياً؟
نعم. وفقاً لبيانات بنك جي بي مورغان. تُعد هذه المرة الأولى في سبع دورات لخفض الفائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي التي لا تنخفض فيها عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال 100 يوم من أول خفض.
ما مكونات عائد السند؟
يتكوّن العائد الكلي للسند من ثلاثة عناصر رئيسية: توقعات التضخم المستمدة من فروق التعادل في سندات TIPS، والعوائد الحقيقية التي تمثل العائد بعد احتساب التضخم، وعلاوة الأجل التي تعوّض المستثمرين عن الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.